فاصلة

مقالات

برليناله 76… ليس كل العالم مدعوًا

Reading Time: 5 minutes

اليوم هو الثالث عشر من فبراير، اليوم الذي أسافر فيه إلى برلينالي في دورته السادسة والسبعين. تتأخر طيارتي في الصباح، فأفوت فيلمًا، وأصل إلى غرفة الفندق سريعًا ﻷغير ملابسي فأذهب لاستلام بطاقتي الصحفية. هذا العام، وبينما أترجل من الفندق لم أستخدم خرائط جوجل كعادتي، قدماي اعتادت المدينة – أو على الأقل ذلك الجزء منها، اعتياد يمنح دفء يناقض برودة الجو المزعجة، أمشي سريعًا للحاق بأول فيلم لي في المهرجان «الكل يحب بيل إيفانز – Everybody Digs Bill Evans» لمخرجه جرانت جيي.

أدخل إلى قصر المهرجان الضخم، طابور مزدحم أمام القصر، أرى بعض الناس تتباطئ في الطابور لالتقاط الصور، أنظر إليهم وأتذكر أول مرات دخلت هذا المكان ورأيته كخلية نحل مكتظة بأناس تصعد سلالم كثيرة وآخرين يستخدمون المصعد، هذه المرة السادسة لي، لم ألتفت كثيرًا إلى القصر، اعتدته، أصبح بمثابة مكان مألوف هو الآخر، لكن الإحساس ببداية ذلك المهرجان والدخول من الطقس البارد إلى دفء القاعة يملأ قلبي بالدفء أيضًا.
الساعة السابعة والنصف، العرض مفتوح للجمهور وبه تقديم للمخرج والممثلين، نراهم مع مديرة المهرجان يدخلون إلى الصالة، يصفق الجميع، يرد المخرج وممثليه التحية، يجلسون، تُطفأ الأنوار، ويبدأ الفيلم.

إحساس لا يُضاهى في العالم، أن يجلس قرابة ألفي شخص في قاعة مظلمة في هدوء تام ليشاهدون ذات الفيلم، كل منهم وحده ومع آخرين في نفس الوقت. وبم إن العرض كان مفتوحًا للجمهور، كان الجلوس مُحددًا برقم، أجلس على مقعدي الواقع في الدور الرابع من قصر المهرجان، المعادل للبلكون في السينما، ولكن أعلى بكثير، في أول صف، ولكن معظم مقاعد البرليناله ترى الشاشة بشكل جيد، ما يجعل التجربة مريحة من الصف الأمامي في البلكون، خاصة وأن لا أحد يجلس أمامك.

everybody digs bill evans (202
everybody digs bill evans (2026)

يبدأ الفيلم، نرى كتابة تقول أن الفيلم مبني على أحداث حقيقية، عن بيل إيفانز وفرقته، وفي أول مشهد له بالأبيض والأسود، نشاهد مونتاج متوازٍ لفرقة ثلاثية تعزف مقطوعة جاز في بار صغير. في نفس الوقت نشاهد سيارة مسرعة، وبينما تتصاعد الموسيقى، ينعس السائق – وهو أحد أعضاء الفرقة – ليصطدم بشجرة فنرى سيارته مصطدمة بالشجرة وآلته الموسيقية هي التي تظهر. صديق بيل إيفانز وشريكه الموسيقي ميت.

بعدها، نتابع بيل إيفانز وأخيه الأكبر (العضو الثالث في الفرقة)، بينما يحاولان التعامل مع ذلك الفقد، كل منهما بطريقته الخاصة، بيل يدمن المخدرات، وأخيه يتجاهل الأمر ويتابع حياته بشكل يبدو طبيعيًا، وتستمر تلك الحكاية بين صعود وهبوط لبيل، لكن لا شيء جديد هنا، التصوير جيد نعم ولكن ربما يمكننا وصف ذلك العمل بأنه شديد الغرق في ذاتية الشخصية، بشكل يجعل الدراما مطولة بعض الشيء وبدون عناصر جذب كافية، مكرر بعض الشيء.. أخرج من الفيلم لآكل سندوتش همبرجر سريعًا وألحق بالفيلم التركي الذي يعرض في التاسعة والنصف «خطابات صفراء- Yellow Letters» لإيلكر ساتاك والذي أتي أفضل على مستويات عدة من سابقه. العرض عام أيضًا، ذات المقدمة بحضور المخرج والممثلين تتكرر لكن هذه المرة يظهر وزير الثقافة الألماني جنبًا إلى جنب مع المخرج.

Yellow Letters (2026)
Yellow Letters (2026)

يدور الفيلم حول زوج وزوجته، الزوج مخرج وكاتب مسرحي كبير، والزوجة هي بطلة تلك المسرحيات، يعملان لصالح المسرح الوطني، ويبدو أنهما في أوج نجاحهما. في المشهد الأول نرى الممثلة تؤدي مشهدًا قاتمًا تنهيه بصرخة مكتومة ويصفق لها الجميع، تخرج مسرعة من المسرح لتغير ملابسها، بينما يطلب المحافظ التقاط صورة معها ومع الفريق، تتكاسل عن تلك اللحظة وتبقى في غرفتها. في المشاهد التالية نرى الزوج بينما يمارس وظيفته الثانية كأستاذ جامعي يُدرس المسرح، وبينما يدخل إلى الجامعة نراه يعبر خلال مظاهرات طلابية تطالب بمطالب عدة منها ما هو واضح ومنها ما هو مُجهل، يدخل إلى قاعة التدريس، فيحرض طلابه على الذهاب إلى المظاهرات وترك المحاضرة قائلًا: «لا أستطيع تعليمكم أي شيء عن الدراما إذا لم تشاركوا في «مسرحيات» الدولة» وهو هنا يقصد تلك الديناميكية النضالية.

Yellow Letters (2026)
Yellow Letters (2026)

من هذين الموقفين تتبدل حياة الاثنين، وتنقلب من نجاح كبير إلى مصائب كبرى، تأتيهم الأخبار تباعًا، الزوج وزملائه المعارضين موقوفون عن التدريس داخل أسوار الجامعة، والزوجة تُبلغ بأن مسرحيتهم الناجحة ستتوقف وأن عليهم تأدية مسرحية ليلى والمجنون بدلًا عنها.. تستمر الأمور من سيء لأسوأ، فيقرر البطلان الانتقال من أنقرة إلى اسطنبول ليعيشا فترة انتقالية عند أم الزوج، وتتأثر ابنتهما كثيرًا بهذا القرار بما يحمله من تغييرات مادية واجتماعية. يتطور الفيلم شيئًا فشيء ليفتح بطن عدة من المواضيع السياسية والاجتماعية في تركيا، لكنه مع تطور أحداثه، يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا، إذا مارس أحدهم النضال لفترة، هل عليه أن يبقى مناضلًا للأبد؟

المُلاحظ في الفيلم، أن المخرج يستخدم المدن الألمانية بديلًا للمدن التركية، فنراه يكتب على الشاشة «برلين في دور أنقرة» وثم «هامبورج كاسطنبول» في حركة سياسية كاسرة للإيهام، تخبرنا بشكل ما عن موقف المخرج، تبدو وكأنه يقول أنه لا يستطيع صناعة ذلك الفيلم في تركيا.

المخرج فيم فندرز
المخرج فيم فندرز

في اليوم السابق، شغل المهرجان الألماني العريق، كعادته، محل أنظار العالم كساحة جدل سياسي، ولدها رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز الذي ذكر أن ما يميز مهرجان برلين هو أنك تستطيع أن ترى وجوهًا مختلفة للعالم بداخله – وهو أمر صحيح بشكل ما – ثم عند سؤاله عن موقفه من القضية الفلسطينية قرر أن يقول أنه على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة، في رد يتناقض مع تلك الأفلام التي يشاهدها على الشاشة، في مشهد واضح من الانتقائية السياسية، إذا كنت أمام فيلم مثل «خطابات صفراء» وهو فيلم سياسي بامتياز، فهذا جيد، أما عند الحديث عن تلك القضايا السياسية المتعلقة بفلسطين وما يعانيه شعبها تحت وطأة الإبادة، فإن على المخرج الابتعاد عن السياسة وأن يركز في فن السينما كفن لا يحتك بتلك القضايا الشائكة المعقدة، ولا يتوجب عليه ذلك!

كارت أزرق
كارت أزرق

في ذات اليوم الذي حضرت فيه الفيلمين، أرى منشورًا من المخرج الصديق أمجد أبو العلاء يكتب فيه أنه لن يستطيع الحضور إلى المهرجان لتقديم مشروع «كرت أزرق» والذي يتولى إنتاجه ومن إخراج محمد العمدة، بسبب رفض منح الفيزا لهم بدعوى «خطر الهجرة»، وأن الجمهورية الألمانية لا ترى أسبابًا كافية لمنحه الفيزا – مشاركة مشروع إنتاج سوداني ألماني مشترك في أكبر مهرجان سينمائي ألماني ليست سببا كافيا بالطبع – وأنها تخشى أنه لن يعود إلى مصر – رغم وجود ألف سبب لذلك أيضًا. في اليوم التالي أرى له منشورًا يشرح انسحاب مشروع الفيلم من المشاركة وهو رد فعل طبيعي للغاية جراء قرار برفض استضافة المخرج والمنتج. على الجانب الآخر، نرى انسحابًا مشتركًا لفيلمين كلاسيكيين من مؤسستين إحداهما مصرية هي سيماتيك والثانية سودانية وهو سودان فيلم فاكتوري. الفيلمين هما «أغنية توحة الحزينة» لعطيات الأبنودي والثاني هو «انتزاع الكهرمان» لحسين شريف، بناء على دعوة من مؤسسة الفيلم الفلسطيني لمقاطعة المهرجان جراء تصريحات فيندرز.

هل المهرجان مدان أم أنها الحكومة هي التي تصنع ذلك التناقض؟ يدافع المهرجان ومديرته عن «حرية» صناع الأفلام في قول ما يريدونه، فيصدرون بيانا مدافعًا عن حق فيندرز، كما تتحدث مديرة المهرجان إلى موقع عربي فتقول أنها لو علمت بأمر الفيزا من قبل لتدخلت بشكل أسرع، كما تقول أن تلك الخلافات السياسية والجدل لطالما كانوا جزءًا من المهرجان. على الجانب الآخر هناك بالفعل مشاركات عربية كثيرة، وبينها فيلم فلسطيني هو «وقائع زمن الحصار» لعبدالله الخطيب وندوة كبيرة للممثلة الفلسطينية هيام عباس إلى جانب أفلام عربية أخرى في أقسام كثيرة للمهرجان – الأمر الذي يجعل هناك تناقضات قائمة بالفعل ربما هي بالفعل ما يصنع ذلك المهرجان. لكن المؤكد أن مقولة فيندرز لا تعبر عنه وحده، وأن خللًا منطقيًا هنا يجعل جملة فيندرز منتقصة إذ أنه كان من الأفضل أن يقول «في برلين يمكنك رؤية وجوه كثيرة للعالم.. إلا بعض تلك الوجوه التي لا ترغب الدولة في رؤيتها».

اقرأ أيضا: برليناله تحت النار… أزمات أشعلت عاصفة من الانتقادات

شارك هذا المنشور

أضف تعليق